القاضي عبد الجبار الهمذاني
204
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وفي أن السواد حال لا مجاور ؛ يحتاج إلى تأمل ؛ وإذا صحت هذه الطريقة في المدركات ؛ التي هي الأصل في كمال العقل ، فغير ممتنع ذلك فيما ينزل منزلة المدرك من الكلام ، الّذي يتصرف المتكلم في إيقاعه . على الوجه الّذي يريده ؛ لأن الكلام وإن كان مدركا فما معه يصح من الفصيح ، أن يورد الكلام على وجه من الفصاحة هو العلم بكيفيته ، من غير أن يكون ما يعلمه موجودا ؛ لأنه لو علم الموجودات منها ، ولم يعرف ما ذكرناه من حالها ، لم يصح منه الكلام الفصيح ؛ وإذا عرف ذلك من حالها أمكنه ذلك ؛ فهذا العلم الّذي معه يمكن الكلام ، ليس هو علم بالموجود ، من الكلام ؛ وإنما يجرى مجرى العلم بالمدرك المنقضى ، وبالعادات الجارية ، بمعرفة « 1 » الأفراد منها والمركب : كيف يكون ؟ وعلى أي سبيل يحصل ؟ فإذا ثبت ذلك لم يمتنع في تفصيله أن يكون ملتبسا ؛ فيقع على حسب الطرق ، وإن كان جملة ، والواضح منه يقع بحسب العلم ؛ لأن لطائف الأمور لا يعرفها إلا اللّه تعالى ؛ فإذا صحت هذه الجملة لم يمتنع أن يكون الّذي بلغ من قدر معرفة أهل اللغة ، في الوجوه التي ذكرناها ، أن يكون كلامهم يبلغ في الفصاحة رتبة مخصوصة ، وقد كان يصح أن تجرى العادة بما هو أزيد منها ؛ فيما يحصل من العلم بالوجوه ، التي قدمناها ؛ فأراد تعالى أن لا تجرى العادة إلا بالرتبة الأولى ؛ لكن يصح أن يظهر المعجز بالرتبة الزائدة ؛ على ما عرفناه من حال القرآن ، فإنك تجد مزيته عند السماع ؛ وإنما ينكر ذلك من لاحظ له في المعرفة ، بكلام أهل اللغة ، أو سبق إلى الشبه في باب النبوات ، فحسّن ذلك عنده الجهل ، وقلّ لذلك تأمله ؛ فأما من خرج عن هذه الطريقة فإنه يعرف مزية القرآن ، ويزن ما بينه وبين سائر الكلام ؛ وإن كان الاستدلال بحال من تقدم من أهل المعرفة للغة يقوم مقام المستمع ؛ ولذلك
--> ( 1 ) ساقطة من « ص » .